السيد عبد الله شبر

95

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

الثاني : قوله : « كنت سمعه وبصره » ممّا ظاهره الاتّحاد والتجسيم ؛ فالكلام فيه يقع في مقامين : المقام الأوّل : في الجواب عن الإشكال الأوّل ، وقد ذكر العلماء له وجوهاً : الأوّل : أنّ في الكلام إضماراً ، والتقدير لو جاز عليّ التردّد ما تردّدت في شيء كتردّدي في وفاة المؤمن . الثاني : أنّه لمّا جرت العادة أن يتردّد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقّره كالصديق الوفيّ والخلّ الصفيّ ، وأن لا يتردّد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالحيّة والعقرب ، بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردّد ولا تأمّل ، صحّ أن يعبّر بالتأمّل والتردّد في مساءة الشخص الذي لزم توقيره واحترامه ، وبعدمهما عن إذلاله واحتقاره . وقوله سبحانه : ( ما تردّدت في شيء كتردّدي في وفاة المؤمن ) المراد به - واللَّه أعلم - ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته ؛ فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيليّة . الثالث : أنّه قد روي من طرق الخاصّة والعامّة أنّ اللَّه سبحانه يظهر للعبد عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنّة ما يزيل به كراهية الموت ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار ، فيقلّ تأذّيه ويصير راضياً بالموت ، راغباً في حصوله ، فأشبهت هذه المعاملة من يريد أن يؤلم حبيبه لما يتعقّبه من نفع عظيم ، فهو يتردّد في كيفيّة وصول ذلك الألم إليه على وجه يقلّ تأذّيه ، فلا يزال يظهر له ما يرغّبه وما يتعقّبه من اللذّة الجسيمة والراحة العظيمة إلى أن يتلقّاه بالقبول ويعدّه من الغنائم المؤدّية إلى إدراك المأمول . « 1 » ويؤيّد هذا المعنى ما رواه في الكافي مسنداً عن الصادق عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال : « قال

--> ( 1 ) . وردت هذه الوجوه الثلاثة في بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 284 نقلًا عن الشيخ البهائي . وانظر مرآة العقول ، ج 10 ، ص 384 - 385 .